Friday, April 18, 2014

بائعي البلالين في المقابر

في مكان على سطح هذا الكوكب التعس لازال هناك بعض الأشخاص يقدرون قيمة التبسم في وجه العامة في الصباح .. 

أذكر يوماً كريهاً أكرهه و يكرهني هو و أخوه كنت قد نزلت من بيتي حاقدة على العالم، في جعبتي بعض النقود و بقايا مشكلة باتت تكسر في أثاث عقلي طوال الليل .. 
إنتظرت نحو الساعة في الشارع والشمس عمودية على مركز جمجمتي التعيسة، كلما تخيلت أن هذا أسوء ما قد يحدث في يوم واحد بُليت بما هو أسوء منه .. 
جاءت حافلة أكثر تعاسة و أضطرت لركوبهاوللوقوف فيها، أكره الوقوف و أكره الحافلات و أكره سائقيها خاصة إن كان من المؤمنين بنظرية " الطرقه فاضية ورا يا أبلة" .. قالها و كررها و كأنه يعرف أنها تُشعل غضبي 
كان غيظي يشتعل كلما فكرت في مشكلتي وهذه الجمله اللعينة التي قرأتها أمس ولم تنطفيء نيران عندي من وقتها، كنت أخطط لإرتكاب العديد من الحماقات .. كنت أراهم أمامي صفاً و أراني أطلق عليهم جميعاً الرصاص الحي، كان كل هذا قبل أن يدخل هو حيز رؤيتي .. عجوز أشيب الرأس وضاء الوجه رشيق طويل تُزين الإبتسامة ثغره، دفع قيمة التذكرة وأخذها وقبل أن يعيد محفظته لجيبه أعاد على مسامعه السائق نفس الجملة الكريهة، نظر البشوش إلي و أنا الواقفه على طرف الطرقة حيث لا مكان لأرنب بقدم واحدة، تبسمت في وجهه و أنا القانطة على العالم و قلت له "و الله يا بابا لو في مكان معزهوش عن حضرتك" .. لم أنتهي من حرف الكاف حتى كان قد وجد لنفسه خمسه سنتيمترات يقف فيها، أدار ظهره لي و قال " إنتي زي بنتي يا بنتي".. 
ظل العجوز واقفاً دون تزمر يتأرجح مع الطريق يكاد يسقط مرة و يصمد مرات، حتى وصلنا في وقت من ثقله لا أستطيع أن أقدره إلى محطة يريدها الكثيرون، و في زحام النازلين و تدافعهم خرج البشوش من دائرة نظري .. حتى وجدت يداً تلوح لي فإذا بالبشوش قد ظفر بمقعد فارغ و يدعوني إليه، إقتربت فوجدته قد قرر أن يترك لي مكانه الذي ظفر به بعد كل هذا الوقوف معللاً تضحيته الغالية تلك بإبتسامي وجهه و أنني كنت "ذوق" معه.. 
هذا العجوز ظل واقفاً جواري سعيداً بما فعله لي حتى فرغ له مقعد آخر، كررها على مسامعي ثلاثاً و هو يبتسم ثم جلس.. هذا العجوز قرر أن يكرمني لمجرد تبسمي في وجهه، نزل العجوز البشوش من الحافله و أنا لازلت ارتدي تلك الإبتسامة البلهاء التي أعارني إياها، نسيت تماماً كل الخطط اللعينة التي كانت تُشعل جمجمتي، قد يبدو لك الأمر تافهاً و لكن إبتسامة هذا الرجل و لطفه أعاناني على يوم بدأ كريهاً و لولاه لإنتهى كريهاً أيضاً .. لأجل وجهه البشوش لازلت قادرة على التبسم في وجه الجميع في كل صباح لهذا العالم التعيس الباهتة ألوانه، هو رجل يغير العالم كل صباح دون حتى أن يدري .. 

في مكان ما على سطح هذا الكوكب التعس رجل يعديك بالبسمة و يربط بالحسنة على كتفك دون أن يدري .. رجل كبائع البلالين في المقابر .. 

No comments:

Post a Comment